في ثواني، الجو اللي كان مليان ترحيب وفرحة اتغير تمامًا. محدش بقى بيتكلم، وكل واحد من أهلنا الأربعة كان باصص للتاني كأنه بيحاول يتأكد إنه مش بيحلم. يوسف بص لأمه باستغراب، وبعدها بص لأبوه، وأنا قربت من ماما وسألتها بهدوء: «مالك يا ماما؟
إنتِ تعرفي طنط؟»
ماما ما ردتش. فضلت باصة لوالدة يوسف، اللي بدأت عينيها تدمع، وبعدها قالت بصوت مرتعش:
«معقول بعد السنين دي كلها نتقابل هنا؟!»
بابا بص لوالد يوسف وقال: «إنت يا محمود؟! هو إنت أبو يوسف؟
!»
والد يوسف ما ردش في البداية، لكنه قعد على أقرب كرسي وهو بيبص لبابا، وبعدها قال بصوت متقطع:
«يا خبر... إحنا كنا متخيلين كل حاجة إلا دي!»
بصيت ليوسف، ولقيته هو كمان مش فاهم حاجة، لكن ملامحه اتغيرت لما شاف أمه بتعيط وأبوه مش قادر يتكلم.
أما أنا، فكنت واقفة وسط الصالة بفستاني الجديد، مش فاهمة إيه اللي حصل، ولا ليه زيارة الخطوبة اتحولت فجأة للمشهد الغريب ده. كل اللي كنت متأكدة منه إن فيه حاجة من الماضي رجعت تظهر في اللحظة اللي كنا فاكرين فيها إن مستقبلنا أخيرًا بيبدأ.
ولما بابا طلب من الكل يقعد عشان يفهم إيه اللي بيحصل، والد يوسف رفع عينيه وبص لأمي، وقال جملة واحدة خلتها تنهار في العياط... الفصل الثاني
«إنتِ لسه فاكرة اليوم اللي أمينة ولدت فيه يوسف؟»
صوت والد يوسف خلّى أمي تتجمد مكانها.
أبويا بص له باستغراب، أما أمي فوشها سحب لونه، وإيديها اللي كانت بتصب الشاي فضلت معلقة في الهوا. قال أبويا: «مالك يا محمود؟ وإيه اللي جاب سيرة اليوم ده دلوقتي؟»
محمود ما ردش عليه. عينيه كانت مثبتة على أمي، اللي حطت الصينية على الترابيزة بصعوبة، وقالت بصوت واطي: «فاكرة يا محمود.
.. هو أنا ممكن أنسى؟»
يوسف بص لأبوه، وبعدين بص لي. كنا قاعدين جنب بعض من دقايق، فاكرين إننا في زيارة عائلية عادية هنحدد فيها ميعاد خطوبتنا، لكن فجأة حسيت إن فيه حاجة أكبر مننا كلنا بتتكشف. أم يوسف بدأت تعيط، وقالت: «يا ريتنا كنا سألنا من الأول.
.. يا ريتنا كنا عرفنا.»
قمت من مكاني وقلت: «عرفتوا إيه؟ حد يفهمنا!»
أمي بصت لي، ودموعها نزلت من غير ما تنطق. أبويا مسك إيديها، كأنه بيحاول يديها قوة تقول الكلام اللي محدش في البيت قادر يقوله. محمود أخد نفس طويل وقال: «لما يوسف اتولد، أمينة ما كانش عندها لبن يكفيه.
أمك يا مريم هي اللي أرضعته شهر كامل، قبل ما إحنا نسافر ونسيب الحارة. وإحنا عمرنا ما نسينا المعروف ده.»
بصيت لأمي، مستنية تنفي. مستنية تقول إن فيه غلط، إن فيه تشابه أسماء، أي حاجة تنقذ اللحظة دي. لكنها هزت راسها وهي بتعيط. يوسف رجع خطوتين لورا، وخبط في الكرسي.
قال بصوت مش صوته: «يعني إيه؟ يعني مريم أختي في الرضاعة؟»
محدش رد. لأنه كان عارف الإجابة من وشوشنا. بص لي، وأنا بصيت له. نفس الشخص اللي كان بيتكلم معايا كل يوم عن بيتنا اللي هنعيش فيه، واللي اختار معايا تفاصيل خطوبتنا، بقى فجأة شخص مستحيل أكمل حياتي معاه بالشكل اللي حلمنا بيه.
صرخت: «طب إنتوا كلكم كنتوا عارفين؟ إزاي محدش فيكم افتكر يسأل عن حاجة زي دي قبل ما نوصل لهنا؟»
أبويا حاول يقرب مني، لكني رجعت لورا. يوسف ما قالش كلمة، بس خلع دبلة الخطوبة من إيده وحطها على الترابيزة.صوتها وهي بتخبط في الخشب كان صغير، لكنه في اللحظة دي حسّيته أعلى من أي صوت في البيت.
محمود قال إنهم لازم يتأكدوا من كل التفاصيل الشرعية، واتأكدوا بعدها إن الرضاعة المستوفية لشروطها بتثبت المحرمية، وإن جوازنا ما ينفعش. لما يوسف مشي، ما قدرتش حتى أعيط.
فضلت باصة للدبلة على الترابيزة، وبفكر إزاي سر قديم بين أربع عائلات قدر يغيّر مستقبل اتنين ما كانوش يعرفوا عنه أي حاجة. وفي الليلة دي، فهمت إننا ما خسرناش بعض بسبب خيانة أو كذبة مننا؛
خسرنا المستقبل اللي رسمناه لأن الحقيقة وصلت متأخر، بعد ما بقينا متعلقين ببعض أكتر مما كنا نتصور.### الفصل الثالث
بعد ما يوسف مشي من بيتنا، فضلت قاعدة مكاني، عيني على الدبلة اللي سابها على الترابيزة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.